القرطبي
233
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في سورة " النحل " ( 1 ) هذا المعنى ، عند قوله تعالى : " أم يدسه في التراب " [ النحل : 59 ] مستوفى . وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه ، حتى افتخر به الفرزدق ، فقال : ومنا ( 2 ) الذي منع الوائدات * فأحيا الوئيد فلم يوأد يعني جده صعصعة كان يشتريهن من آبائهن . فجاء الاسلام وقد أحيا سبعين موءودة . وقال ابن عباس : كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة ، وتمخضت على رأسها ، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة ، وردت التراب عليها ، وإن ولدت غلاما حبسته ، ومنه قول الراجز : سميتها إذ ولدت تموت * والقبر صهر ضامن زميت الزميت الوقور ، والزميت مثال الفسيق أوقر من الزميت ، وفلان أزمت الناس أي أوقرهم ، وما أشد تزمته ، عن الفراء . وقال قتادة : كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ، ويغذو كلبه ، فعاتبهم الله على ذلك ، وتوعدهم بقوله : " وإذا الموؤودة سئلت " قال عمر في قوله تعالى : " وإذا الموؤودة سئلت " قال : جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إني وأدت ثمان بنات كن لي في الجاهلية ، قال : ( فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة ) قال : يا رسول الله إني صاحب إبل ، قال : ( فأهد عن كل واحدة منهن بدنه إن شئت ) . وقوله تعالى : " سئلت " سؤال الموؤودة سؤال توبيخ لقاتلها ، كما يقال للطفل إذا ضرب : لم ضربت ؟ وما ذنبك ؟ قال الحسن : أراد الله أن يوبخ قاتلها ، لأنها قتلت بغير ذنب . وقال ابن أسلم : بأي ذنب ضربت ، وكانوا يضربونها . وذكر بعض أهل العلم في قوله تعالى : " سئلت " قال : طلبت ، كأنه يريد كما يطلب بدم القتيل . قال : وهو كقوله : " وكان عهد الله مسؤولا " [ الأحزاب : 15 ] أي مطلوبا . فكأنها طلبت منهم ، فقيل أين أولادكم ؟ وقرأ الضحاك وأبو الضحا عن جابر بن زيد وأبي صالح " وإذا الموؤودة سألت " فتتعلق الجارية بأبيها ، فتقول : بأي ذنب
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 117 ( 2 ) ويروى : وجدى الذي منع الوائدات . . . الخ .